علي بن مهدي الطبري المامطيري
341
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
فلمّا دخل عليها عذلته وبلغت به غاية التفنيد والتوبيخ في دفعه أربعة آلاف درهم إلى رجل كانت مئة درهم تغنيه ، فقال لها كسرى : قد كان ذاك ، فما الحيلة فيما فات ؟ فقالت المرأة : لم يفت استرجاعها منه ، فقال لها : ويحك إنّ الملوك لا ترجع فيما تهب ، فقالت : فالطف له بحيلة تدفعه بها عنك حتّى يهرب عن الصلة ، فقال : وما ذاك حتّى أستعمله وآتيه ، فقالت : قل : لا بدّ من إحضار زوج هذه السمكة إن كانت أنثى ، وإن كان ذكرا فأنثاه ، ثمّ تأخذ ثمانية آلاف ، فإنّه سيهرب عنك ! فقال كسرى : أفعل ذاك ، وجلس مجلسه ، وجاء الرجل وسأله إحضار زوج السمكة إن كانت أنثى وأنثاه إن كان ذكرا ، فقال الرجل : كانت السمكة أنثى ، وكانت بكرا ، لم يكن لها زوج ، فضحك كسرى من قوله ، وقال : « زه » ثلاث مرّات ، فأعطي اثنا عشر ألف درهم ، وأمر كسرى أن يكتب في الحكمة : أنّ في عقل المرأة إذا تتوّقت « 1 » في المشورة وضيّعه اثني عشر ألف درهم . « 222 » ويروى عن أمير المؤمنين أنّه قال : عليكم من النساء الحارقة » . مراده بذلك : عليكم بالأبكار ، مأخوذ ذلك من قول العرب : هو يحرق عليه الأرّم من شدّة العداوة والغيظ ، والبعير يحرق نابه إذا صرف ، وذلك أنّه يشدّ نابا على ناب . وقال الأصمعي : هو يعضّ عليه الأرّم ، وهي الأصابع [ وتسمّى ] أرّما أيضا ؛ لأنّه يؤكل بها ، وقد كان أمير المؤمنين يقرأ لَنُحْرِقَنَّهُ « 2 » يعني لنبرّدنّه بالمبارد ، فالحارقة هي التي تضمّ ، كما يشدّ العاض المغتاظ المتوعّد أسنانه .
--> ( 1 ) . الحرفان الأوّلان من رسم خطّ هذه الكلمة غير منقوطين . ( 222 ) ورواه أيضا ابن قتيبة في الحديث : ( 22 ) من غريب كلام أمير المؤمنين ع من كتاب غريب الحديث 1 : 359 ، وشرح الغريب أيضا مأخوذ منه مع اختصار . وفي بعض المصادر : خير النساء الحارقة . ( 2 ) . طه : 97 .